عظة عن الصوم من سفر أشعياء

الصوم في المسيحية
أشعياء 1:58-11
بيت لحم 26-2-207

نَادِ بِصَوْتٍ عَال. لاَ تُمْسِكْ. اِرْفَعْ صَوْتَكَ كَبُوق وَأَخْبِرْ شَعْبِي بِتَعَدِّيهِمْ، وَبَيْتَ يَعْقُوبَ بِخَطَايَاهُمْ. وَإِيَّايَ يَطْلُبُونَ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَيُسَرُّونَ بِمَعْرِفَةِ طُرُقِي كَأُمَّةٍ عَمِلَتْ بِرًّا، وَلَمْ تَتْرُكْ قَضَاءَ إِلهِهَا. يَسْأَلُونَنِي عَنْ أَحْكَامِ الْبِرِّ. يُسَرُّونَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ. يَقُولُونَ: لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ، ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاَحِظْ؟ هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ. هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِأَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كَالأَسَلَةِ رَأْسَهُ، وَيْفْرُشُ تَحْتَهُ مِسْحًا وَرَمَادًا. هَلْ تُسَمِّي هذَا صَوْمًا وَيَوْمًا مَقْبُولاً لِلرَّبِّ؟ أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ. حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ. حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا. إِنْ نَزَعْتَ مِنْ وَسَطِكَ النِّيرَ وَالإِيمَاءَ بِالأصْبُعِ وَكَلاَمَ الإِثْمِ وَأَنْفَقْتَ نَفْسَكَ لِلْجَائِعِ، وَأَشْبَعْتَ النَّفْسَ الذَّلِيلَةَ، يُشْرِقُ فِي الظُّلْمَةِ نُورُكَ، وَيَكُونُ ظَلاَمُكَ الدَّامِسُ مِثْلَ الظُّهْرِ. وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ.

اليوم هو الأحد الخمسون، آخر أحد قبل فترة الصوم (الصوم الأربعيني). يوم الأربعاء القادم هو بحسب السنة الكنسية لكنيستنا هو بداية الصوم، وتحتفل به بعض كنائسنا بما يسمى أربعاء الرماد.

فترة الصوم الأربعيني هي عادة أو تقليد قديم جدًا في المسيحية. يعود الأمر إلى القرون الأولى، الرابع وحتى الثالث. حيث اعتاد المسيحيون الأوائل الصوم لأربعين يومًا أو ستة أسابيع استعدادًا للفصح. وكانت أيضًا هذه الفترة تُستغل من أجل الاستعداد للمعمودية للمسيحيين الجدد. فكان هناك دروس يومية لتعليم الإيمان المسيحي، كانت ترافق الصوم، وفي نهاية الفترة كان يُقبل المسيحيون إلى الكنيسة بالمعمودية.

على مرّ العصور اعتاد المسيحيون الصوم في هذه الفترة، طبعًا بطرق مختلفة. وهي أيضًا فترة للصلاة والعطاء أو الصدقة. فما يحرم المسيحيون أنفسهم عنه كانوا يعطونه للفقراء. والكنيسة اللوثرية بعد الإصلاح حافظت على هذا التقليد إذ رأى المصلحون فيه ما هو لخير وبركة المؤمن والكنيسة.

الصوم في بلادنا أصبح عادة اجتماعية فلسطينية مسيحية، وكثيراً ما يفتقد للمعنى الحقيقي. وهذت جعل العديدين يتحفظون من موضوع الصوم، وذلك من كثرة الممارسات الخاطئة في موسم الصوم! أتذكر لما كنا أطفال نلعب في الحارة، كان دائمًا أحد أصدقائي أثناء فترة الصيام يأتي إلى الملعب وكأنه خارج من غرفة التحقيق، وأول عبارة تكون: "اليوم تعبان لأني صايم"! طبعًا لما المباراة تبدأ يكون مثل الحصان! وأذكر أيضًا الجدالات التي كان يخوضها أصدقائي في المدرسة والحارة إن كان البسكوت الفلاني "صيامي" أم لا، وما المسموح به أيام الجمعة والأربعاء. طبعًا كل هذه ما هي إلا انعكاسات لنقاشات الأهل والأقارب.

كثيرون يصومون اليوم من أجل الناس – أو كما ذكرت لمجرد أنها عادة. البعض يصوم مجاملةً... أو ربما خوفًا أو من سبيل الفرض!

والكثيرون يحولون الصوم إلى شريعة: نجادل على أيام ومواسم. ونجادل ما الحلال وما الحرام. ونلجأ إلى "فتاوي" عن المسموح والممنوع خلال الصوم، أو في أيام الجمعة والأربعاء، "ويا ويله مين يخالف!" وحتى الكثيرون نراهم يدينون الآخرين ليس لأنهم لا يصومون، بل لأنهم لا يصومون كما يجب!

قراءة اليوم من العهد القديم -أشعياء 58 بالتحديد – تعلمنا الكثير عن الصوم. والغريب أنني عندما تعمقت في النص شعرت أن أشعياء معنا اليوم يكتب لنا. يجيب أشعياء في قراءة اليوم عن تساءل الشعب: لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ، ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاَحِظْ؟ (3:58)

ربما اعتقد الشعب أن الأمر "ميكانيكي" أو وصفة سحرية – ننقطع عن الطعام فيسمع الله! (1+1=2). كان الشعب في محنة ما، واعتقدوا أن الحلّ هو الصوم. أراد الله من خلال النبي أن يري الشعب أن المشكلة لا تحل بمجرد الانقطاع عن الطعام! فالصوم "تقنيًا" هو فعلاً الانقطاع عن الطعام. ولكن هل هذا هو الصوم الحقيقي؟

تعلمنا قراءة اليوم كيف لا نصوم! وتذكرنا أن الصوم ليس مجرّد الانقطاع عن الطعام. هناك عدة أمور يذكرها أشعياء عن صوم إسرائيل في تلك الفترة:

·        "هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً" – أي أن الصوم أصبح مصدر فرح! لماذا؟ لأن الصوم كان يعني الراحة وعدم العمل. كانوا يفرشون المسح والرماد ويجلسون "عطالين بطالين"!
·        والأسوأ: يقول هنا: "وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ". أي أنهم كانوا يسخرون أو يستعبدون الآخرين للقيام بأعمالهم! هذه هي التقوى بنظرهم: نحن نرتاح، ونسخّر الآخرين  ونظلمهم للقيام بأعمالنا نحن!! وكانوا يسمونه صومًا!
·        ومن ثمّ يقول: "هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ." يبدو إذًا أن فترة الصوم أصبحت فترة نزاعات وخصومات – حتى العنيفة منها! الكل معصّب –  "تحكيش معي، معصّب، صايم!"
·        ويقول أخيرًا: "لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ." فيبدو أنهم كانوا يصومون لا لكي يرى ويسمع الله، بل لكي يرى ويسمع الإنسان. نريد مديح البشر.طبعًا هذا ما علم عنه المسيح في العظة على الجبل: "وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ". بعبارة أخرى: هذا صوم تأخذ فيه مديحًا من الله، ولكن الله لا يقبله!

أمام كل هذا، ما العمل؟ أنترك الصوم؟ هل من الخطأ أن تخصص الكنيسة فصلاً للصوم؟ يجادل البعض: لا يجب على الكنيسة أن تفرض علينا الصوم. وطبعًا نوافق أنه إن كان الصوم من سبيل الفرض، فلا يجب أن تصوم! 

والبعض يجادل: الصوم شيء فردي بين الإنسان والله، ولا يجب أن يكون في مواسم معينة. نحن نصوم في كل الوقت (وطبعًا من يقول هذا عادة يكون أقل من يصوم!)

لفت انتباهي مقولة لمارتن لوثر يحذر فيها من التطرف في فهم الصوم! نعم نحن أحرار للمسيح، ونعم الصوم ليس وسيلة لنرضي الله (فالله يقبلنا في المسيح، بالنعمة، ونحن لا نكسب الخلاص بالصوم!). ولكن نحذر، يقول لوثر، من أن نجعل الحرية عذرًا كي لا نصوم أو كي لا نقمع الجسد أحيانًا.
الصوم جزء من التقوى المسيحية. والعهد الجديد مليء بالأمثلة عن الصوم. ولكن لنتذكر أن الصوم هو جزء واحد من التقوى المسيحية، فهناك أيضًا الصدقة والصلاة – دائمًا صوم صلاة صدقة معًا!!! (كلها تبدأ بحرف الصاد في العربية)

التقوى المسيحية – وبالتالي الصوم في المسيحية – هي بالفعل بين الإنسان والله. إنها عبادة! تقديم الجسد لله. أقمع الجسد لله. أي أننا يجب أن نتذكر أن الأمر يتعلق أولاً واخيرًا بعلاقتنا بالله! كما قال المسيح: "وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً".

يجب أن يهدف الصوم أن يقربنا من الله! فالصوم والصلاة توأمان. عندما سألوا المسيح عن الصوم قال: هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ. الصوم إذًا هو تعبير عن الاشتياق للمسيح (العريس) أن يعود إلى عالمنا. وكأننا نقول: اشتقنا لك أيها المسيح! عالمنا بحاجة إليك.

في الصوم، نتذكر حاجتنا إلى الله وضعف جسدنا. فنطلب العون عند الحاجة والإرشاد. نستغيث بالله ونتذلل أمامه طلبًا لكي يقترب منا!

وأيضًا، وهنا على فكرة بيت القصيد من قراءة اليوم من أشعياء: عندما نصوم، عندما نحرم أنفسنا، نتذكر الآخرين. هنا مفهوم الرحمة والصدقة. كلما اقتربنا من الله ومن قلبه ندرك أن الله يريدنا أن نخدم الآخرين. إن مساعدة الإنسان والاهتمام بالعدالة هي قلب الصوم! الصوم هو الرحمة! 

"أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ."

هذه هي رسالة أشعياء: المشكلة فيكم وليس بالعدو الخارجي! المشكلة في عدم الرحمة. غياب العدالة. عدم الاهتمام بالقريب. غياب هذه الأمور هو سبب عدم استماع الله لكم!

رسالة الله لنا اليوم: التقوى التي لا تنتج جوعًا إلى الله واهتمامًا ورحمة بأخينا الإنسان هي تقوى زائفة! التقوى التي لا تقود إلى جوع للعدالة هي تقوى زائفة.

فترة الصوم قادمة. ماذا قررت؟ طبعًا هذا أمر بينك وبين الله. الأمر ليس فرضًا. لكن الكنيسة اعتادت وتشجع أن نحضّر أنفسنا روحيًا وجسديًا في هذه الأربعين يومًا وأن نمضيها في الصلاة والصوم والصدقة، فَلِم لا؟ ليكن الأمر بينك وبين الله! وليكن صومنا بحسب قلب الله، ولله، ومن أجل المحتاجين، وكلنا يعرف من هم بحاجة للعون والرأفة بيننا.  

الأسابيع الأخيرة أثبتت الكثير، وأحد الأشياء هي أننا كشعب ومدينة إن وضعنا هدفًا وسعينا نحوه، نلنا! والكل كان مستعدًا لأن يعطي الكثير من المال والجهد في سبيل نجاح بيت لحم وابن بيت لحم (وهو يستحق). ليتنا نعطي بنفس القدر لأجل المرضى. نعطي وقتًا للزيارة. نعطي مالاً للمحتاج. نحن نملك المال... ولكن هل الإرادة موجودة؟

إن فعلنا هذا: َيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ.
آمين. 

Comments