خوف... أم رجاء؟


خوف... أم رجاء؟
1 بطرس 13:3-16
بيت لحم 26-6-2018
13فَمَنْ يُؤْذِيكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِالْخَيْرِ؟ 14وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ. وَأَمَّا خَوْفَهُمْ فَلاَ تَخَافُوهُ وَلاَ تَضْطَرِبُوا، 15بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ. 16وَلَكُمْ ضَمِيرٌ صَالِحٌ، لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ يَشْتِمُونَ سِيرَتَكُمُ الصَّالِحَةَ فِي الْمَسِيحِ، يُخْزَوْنَ فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ.

ظهرت قبل فترة إحصائية رسمية من دائرة الإحصاء قالت بأن نسبة المسيحيين في فلسطين تقلّ عن 1%. وتابعت ردود الفعل، من الغاضبة منها، إلى المحبطة، إلى الخوف. وهناك من بدأ بالبحث عن المسببات وتناقلت أصابع الاتهام، واتهمنا الكلّ إلا أنفسنا.
ولعلّ السؤال المطروح اليوم هو: كيف نعيش كأقلية دينية وسط ضغوطات هذه الحياة، من احتلال عنصري وحصار إلى أوضاع اقتصادية صعبة إلى تطرّف ديني؟ طبعًا نحن نرفض مصطلح الأقلية من باب أننا أهل الأرض، ومن أننا فلسطينيين، ومن باب عدم رغبتنا في أن نُعامل على أساس أننا أقليات بحاجة لحامية. هذا وطننا وهذه أرضنا.
ولكن يبقى السؤال: ما هي رسالتنا لمحيطنا؟ لمجتمعنا؟ ما هي دعوتنا في هذه الأرض؟
كتب بطرس رسالته لجماعات كانت هي الأخرى تعيش ظروفًا قاسية. ويظهر هذا بوضوح لمن يقرأ الرسالة. فسياق الرسالة وموضوعها الأساسي هو الحياة وسط الاضطهاد والألم! فهي رسالة كُتبت في مقدمتها إلى "المغتربون"، والغرض هو تثبيت المستلمين في الإيمان وتشجيعهم. وربما يمكننا اعتبارها بلغة اليوم: رسالة إلى اللاجئين! أو المضطهدين من أجل إيمانهم!
وتحتوي هذه الرسالة إلى المتألمين على دعوات متكررة للعيش في قداسة! وآيات اليوم إحداها: "قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ". ففي وسط الضغوطات والضيقات يحثنا الرسول على حياة القداسة... فما المقصود؟
الإجابة تكمن في نظرتنا للضغوطات والاضطهادات وتحديات الحياة! هل هي لعنة كما يراها البعض؟ أم هي علامة على أن الله تركنا وأضحى لا يبالي بنا؟ هل هي دليلٌ على عالم تحكمه الفوضى؟
أم أن هذه الضغوطات علامة على أصالة إيماننا... إذ أننا نتألم "من أجل البرّ" – أي الحقّ والعدل؟ وهل نرى في هذه الضغوطات فرصة لتمجيد الله؟ فرصة للعمل والإبداع والمقاومة؟ ما هي نظرتنا لهذه الحياة؟ كيف نقرأ الواقع؟ بعيون الإيمان وبعيوننا الجسدية؟
بطرس يعطينا وجهة نظر إيمانية لمقاومة الاضطهادات والضغوطات:
1-     وَأَمَّا خَوْفَهُمْ فَلاَ تَخَافُوهُ وَلاَ تَضْطَرِبُوا، 15بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ
لا تخافوا! بل قدسوا الربّ الإله! لا تجعل ظروفك تحدّد واقعك ونظرتك للحياة. بل كونوا أصحاب دعوة وقدسوا الله في قلوبكم وحياتكم. هنا عُمق الإيمان. الخوف ردّ فعل طبيعي. الخوف ردّ فعل إنسانيّ. ومن يفكر في واقعنا السياسي اليوم ومن يقرأ المعطيات، لابدّ أن يخاف من المستقبل! فالأمور غير مستقرة أبدًا، والوضع قابل للانفجار في أي لحظة.
منذ يومين قال لي صديق: الكنائس ستتحول إلى متاحف... الكثير من أصدقائي قرروا ترك البلاد. هناك خوف. هناك كما يبدو استسلام.
لكن المسيحي لا يخاف، لا لأنّ نظرتنا للحياة سطحية، أو لأننا نتجاهل الواقع، أو نتعامى... بل لأننا نؤمن بأن الله جالسٌ على العرش، وأنه مُمسكٌ بكلّ شيء في يديه. هذا إيماننا. ولهذا "نقدّس الله"، أي نعيش بحسب إيماننا فتكون خدمة الله أولويتنا ودعوتنا. فالقضية ليست الانعزال من محيطنا، بل التأثير على محيطنا. القضية ليست نكران الواقع...
لا تخافوا...
2-     مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ
كونوا مستعدين لأن تجيبوا عن سبب الرجاء. المميّز في هذه الآية أن بطرس يفترض أمريْن: الأول أن المسيحي دائمًا عنده رجاء، والثاني أن الناس ستلاحظ هذا الرجاء وسوف تسأل عن سببه.
عندما نقرأ رسالة بطرس كما ذكرت سنقرأ عن كثرة الاضطهادات التي تعرض لها من استقبلوا الرسالة.
مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ ­ إِنْ كَانَ يَجِبُ ­ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ... لأَنَّ تَأَلُّمَكُمْ إِنْ شَاءَتْ مَشِيئَةُ اللهِ... لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ... بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ... ِإنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ... الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ... عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ...
وفي وسط محنتهم، وفي وسط كلّ هذا لا زال بطرس يفترض وجود الرجاء في حياة هؤلاء الناس!  فلا مسيحية بداء رجاء! أن تكون مسيحي معناه أنك تملك الرجاء! لا يقول: ليكن لكم رجاء، بل تكلموا عن الرجاء الموجود أصلاً فيكم. وهكذا يفترض بطرس أننا سنُسأل عن الرجاء ولذا العظة هي: "كونوا مستعدين للإجابة"
(ما هو سبب الرجاء؟) الإيمان بالقيامة! الإيمان بأن الموت لا يمتلك الكلمة الأخيرة. أن الشرّ والظلم لن ينتصران. الإيمان بالأبدية. الإيمان أن الله ممسكٌ بزمام الأمور!
هل فعلاً نؤمن بهذه الأمور؟ وهل هذه الأمور تقود حياتنا وقراراتنا وقيمنا ومبادئنا؟ ونظرتنا للحياة وللواقع والتحديات؟ ومفهومنا لدعوتنا ولماذا نحن هنا؟ هل لنا رجاء أم خوف؟؟
 اسأل نفسك اليوم: هل حياتي يحكمها الخوف... أم الرجاء؟ ماذا يرى الناس فيّ؟ هل يرى في الناس رجاءً؟ أم تذمّر على الواقع... وهروب واستسلام... هل فعلاً نحن قادرون على التحدي والمقاومة بالإيمان؟
3-     بوداعة وخوف، وليس بكبرياء أو تعجرف أو فوقية.
بالنسبة لبطرس: لا يكفي أن نجيب عن سبب الرجاء، بل من المهم أيضًا "كيف" نجيب! بوداعة. محبة. تواضع. من المهم أن نتكلم عن إيماننا المسيحي. من المهم جدًا ان نشهد. ولكن في نفس الوقت، الأسلوب الذي نجيب به وندافع عن إيماننا المسيحي له ذات الأهمية! حتى في إجابتنا نحن نشهد!
اليوم، أسلوب الدفاع عن المسيحية ونشر الإيمان المسيحي عند البعض للأسف لا تتفقان مع روح المسيحية، إذ تخلو من المحبة؛ من الوداعة؛ الخوف؛ التواضع. ندين الآخر ودين الآخر وننسف كلّ الجسور. القضية ليست تحدي إيمان الآخرين، بل الإعلان عن إيماننا.
كلمات انجيل اليوم لنا مهمة: لا تدينوا لكيلا تدانوا! لا تبحث عن أخطاء الآخرين. لا تفترض أنك الأفضل والأسمى والأقدس... بل تكلم عن المسيح سبب الرجاء الذي فيك! لن تخطأ عندما تتكلم عن المسيح!
تذكرون التفجير الإرهابي قبل عامين في الكاتدرائية القبطية في مصر والذي راح ضحيته العشرات. ولا ننسى موقف زوجة حارس الكنيسة، والتي أعلنت على التلفاز وأمام الملايين أنها تسامح الذين فجّر الكنيسة، وأنها تؤمن أن زوجها الآن انتقل إلى الأبدية... وتعليق المذيع التلفزيوني عمرو أديب: "أقباط مصر مصنوعون من فولاذ... إيه كمية التسامح اللي عندكمُ دي؟".
مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ!
هل هي ساذجة دينية؟  هلوسة؟ أم أن إيمانها عظيم ورجاؤها قوي! وأن ما تؤمن به هو فعلاً الحقّ والحياة؟ وفي زمن تصعب فيه المشاركة بالإيمان المسيحي بالكلام – شهادتنا وحياتنا هي أكبر شهادة لإيماننا. لذا يقول لنا أخيرًا:
4-     وَلَكُمْ ضَمِيرٌ صَالِحٌ، لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ يَشْتِمُونَ سِيرَتَكُمُ الصَّالِحَةَ فِي الْمَسِيحِ، يُخْزَوْنَ فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ.
بعبارة أخرى: لا تعطوا للناس ممسكًا عليكم! ولتكن سيرتكم صالحًا دائمًا. وليكن ما يُقال عنكم دائمًا هو الصيت الحسن – أن المسيحي صادق، مسامح، وديع، متواضع....
كل من يسألكم: هل يسألنا الناس؟ هل نحن مختلفون؟ نحتاج اليوم مسيحية الرجاء وسط ثقافة الموت – لا إلى مسيحية الخوف والانهزام. نحتاج السيرة الحسنة. وأن نعكس رجائنا بأفعالنا... مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ!
واليوم: لماذا نحن هنا؟ لماذا نبني ونعلّم؟ لماذا نساهم؟ لأن لنا رجاء... بخالق الأرض... بإله القيامة... بالمسيح المقام... وبعالم أفضل يسوده الحقّ والعدل. لذا نعمل. لذا نصبر. نقاوم. ونشهد. آمين.


Comments